الذهب بين ضغط الدولار وترقب الفائدة.. هل يستعيد بريقه بعد خسائر سبتمبر؟

تراجعت أسعار الذهب خلال التداولات الآسيوية يوم الاثنين 5 أكتوبر 2026، بعدما بددت قوة الدولار مكاسب مبكرة للمعدن النفيس، في وقت يوازن فيه المستثمرون بين ضعف بيانات التوظيف الأميركية واستمرار المخاوف من ارتفاع أسعار الفائدة.
وتعكس حركة السوق حالة من التردد بشأن اتجاه السياسة النقدية الأميركية. فتراجع زخم التوظيف يعزز احتمال تأجيل رفع الفائدة، بينما تدفع مخاوف التضخم وارتفاع عوائد السندات المستثمرين إلى الحذر، ما يبقي الذهب أمام عوامل متعارضة تحد من قدرته على تحقيق تعافٍ مستمر.
وبحسب رويترز، انخفض الذهب الفوري بنسبة 0.3 بالمئة إلى 4,131.61 دولار للأونصة عند الساعة 04:22 بتوقيت غرينتش، فيما تراجعت العقود الأميركية الآجلة لتسليم ديسمبر بنسبة 0.1 بالمئة إلى 4,159.30 دولار. وتزامن ذلك مع ارتفاع مؤشر الدولار بنحو 0.6 بالمئة، ما زاد تكلفة شراء المعدن لحائزي العملات الأخرى.
وكان الذهب قد استهل الجلسة على ارتفاع. وأظهر تقرير مبكر لبلومبرغ، نشرته صحيفة The Business Times، صعود السعر الفوري إلى 4,153.66 دولار للأونصة عند الساعة 00:40 بتوقيت غرينتش، قبل أن يسجل تحديث رويترز اللاحق تحوله إلى الانخفاض. ويوضح اختلاف القراءتين سرعة تغير اتجاه الأسعار خلال الجلسة نفسها.
ضعف التوظيف يخفف الضغوط النقدية
منحت بيانات سوق العمل الأميركية الذهب بعض الدعم، بعدما أظهرت تباطؤاً في وتيرة خلق الوظائف. ووفقاً لبلومبرغ، أضاف الاقتصاد الأميركي 29 ألف وظيفة غير زراعية في سبتمبر، في قراءة جاءت دون جميع تقديرات الاقتصاديين المشاركين في استطلاع الوكالة.
وساهمت هذه النتائج في خفض احتمالات رفع الفائدة خلال أكتوبر إلى نحو 20 بالمئة، مقارنة بنحو 70 بالمئة قبل أسبوع. ويخفف تراجع هذه التوقعات الضغط على الذهب، لأن المعدن لا يدر عائداً دورياً، وتزداد تكلفة الاحتفاظ به مقارنة بالأصول المدرة للدخل عندما ترتفع الفائدة.
لكن الأسواق لم تتخلَّ عن توقعات التشديد النقدي لاحقاً. ونقلت رويترز عن محللي KCM Trade أن احتمال توقف الفيدرالي في أكتوبر يمنح الذهب دعماً، بينما تبقى توقعات استمرار دورة رفع الفائدة قائمة.
ويضع ذلك المستثمرين أمام تمييز مهم بين تأجيل زيادة الفائدة وتغير مسار السياسة النقدية بالكامل. فالتأجيل قد يمنح الأسعار فرصة للتماسك، لكن استمرار توقعات الرفع في الأشهر التالية يمكن أن يبقي التعافي محدوداً.
خسائر سبتمبر تلقي بظلالها
تأتي التحركات الأخيرة بعد فترة صعبة للمعدن النفيس. فقد خسر الذهب 3.4 بالمئة خلال الأسبوع الماضي، مسجلاً أكبر تراجع أسبوعي منذ يونيو، كما انخفض بأكثر من 6 بالمئة خلال سبتمبر، بحسب بلومبرغ.
وربط التقرير هذه الخسائر بالمخاوف من التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة، واحتمال زيادة الفائدة الأميركية، إلى جانب ارتفاع عوائد السندات.
ويعني ذلك أن ضعف بيانات التوظيف وحده قد لا يكفي لتغيير اتجاه السوق. فالمستثمرون يراقبون مجموعة من المؤشرات، تشمل التضخم والنشاط الاقتصادي ومواقف مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، لتقدير مدى قدرة البنك المركزي على إبطاء التشديد النقدي.
قوة الدولار تحد من جاذبية المعدن
يمثل الدولار عاملاً أساسياً في تسعير الذهب عالمياً. فعندما ترتفع العملة الأميركية، يصبح شراء المعدن أكثر تكلفة للمستثمرين الذين يستخدمون عملات أخرى، ما قد يضغط على الطلب والأسعار.
وفي الجلسة الأخيرة، ساهم صعود الدولار في إضعاف أثر الأخبار الداعمة للذهب، وأظهر أن تراجع توقعات رفع الفائدة قريباً لم يكن كافياً للحفاظ على المكاسب المبكرة.
كما تؤثر عوائد السندات في قرارات المستثمرين. فارتفاعها يزيد جاذبية الأدوات التي توفر دخلاً، ويجعل الاحتفاظ بالذهب أقل تنافسية من حيث العائد، حتى مع استمرار دوره في تنويع المحافظ والتحوط من المخاطر.
البنوك المركزية والصناديق توفر دعماً
ورغم الضغوط الحالية، تبقى هناك عوامل تدعم الطلب على الذهب على المدى الطويل. ونقلت وول ستريت جورنال عن سوسيتيه جنرال أن السوق تتأثر بتنازع بين مشتريات البنوك المركزية وتدفقات الصناديق المتداولة من جهة، وقوة الدولار وارتفاع الفائدة من جهة أخرى.
وأشار البنك إلى أن بيانات التضخم الأميركية الأضعف من المتوقع ساعدت على تهدئة رهانات رفع الفائدة، ووفرت دعماً محدوداً للمعدن.
وتوضح هذه القراءة أن الطلب طويل الأجل يمكن أن يوفر سنداً للأسعار، لكنه لا يلغي التقلبات التي تفرضها المتغيرات الاقتصادية اليومية. فقد تستمر المؤسسات في الاحتفاظ بالذهب ضمن محافظها، بينما يتجه بعض المتعاملين إلى البيع استجابة لارتفاع الدولار أو عوائد السندات.
ما الذي يحدد الاتجاه المقبل؟
تشير العوامل الواردة في التقارير إلى أن حركة الذهب خلال الفترة المقبلة ستعتمد على تطور توقعات الفائدة الأميركية، وقوة الدولار، ومسار عوائد السندات. فتراجع توقعات التشديد قد يمنح المعدن فرصة للتعافي، بينما قد يحد استمرار ارتفاع العوائد وصعود الدولار من مكاسبه.
وسيكون الأهم بالنسبة إلى المستثمرين معرفة ما إذا كان ضعف التوظيف يمثل تباطؤاً مستمراً يستدعي إعادة النظر في وتيرة رفع الفائدة، أو مجرد قراءة مؤقتة لا تغير موقف الفيدرالي من التضخم.
وبناءً على هذه المعطيات، يبقى التعافي المستمر احتمالاً مشروطاً بانحسار الضغوط النقدية. أما المكاسب التي تتحقق خلال جلسة واحدة، فقد تظل عرضة للتبدد إذا عاد الدولار إلى الصعود أو ارتفعت عوائد السندات، كما أظهرت التداولات الأخيرة.









