السويداء أمام سؤال المصير.. كيف دفعت المجازر نحو الاستقلال؟
السويداء

سكوب ميديا- تحقيق اجتماعي وثقافي وسياسي
في السويداء، لم يعد الحديث عن المستقبل منفصلاً عن سؤال النجاة. المدينة التي ارتبط اسمها بالتعليم والفنون والترابط الاجتماعي، تعيش منذ مجازر تموز 2025 جرحاً يتجاوز الخسائر البشرية والمادية إلى علاقتها بسوريا، وثقتها بالدولة، وشعورها بأن ثقافتها وإنسانها باتا عرضة للاستهداف.
بين منزل فقد أصحابه، ومكتبة أحرقتها النيران، وطالب انقطع طريقه إلى الجامعة، تتشكل صورة مجتمع يحاول حماية أسباب استمراره. وفي خلفية هذا المشهد، تتقدم مطالب الاستقلال وتقرير المصير، بعدما تحولت العلاقة مع دمشق، لدى قطاعات من السكان، من خلاف سياسي إلى خوف على الوجود.
حضارة راسخة في الحجر والذاكرة
تحمل السويداء تاريخها في حجرها الأسود. فالبازلت الذي شكّل عمارتها وبيوتها القديمة هو أيضاً المادة التي حفظت جانباً من تاريخ المنطقة، في النقوش والمنحوتات والأبنية التي بقيت شاهدة على تعاقب الحضارات.
وفي متحف السويداء الوطني، تتجاور مكتشفات ما قبل التاريخ مع الآثار النبطية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، إلى جانب الفسيفساء والمنحوتات والتراث الشعبي. وتكشف هذه المجموعات عن منطقة تفاعلت عبر قرون مع محيطها، واستوعبت تحولات سياسية وثقافية متعددة. كما يوثق مشروع المتحف الافتراضي السوري مشاركة أبناء المنطقة في جمع اللقى وحماية المواقع والمطالبة بمتحف يحفظ إرثهم.
ويمتد هذا المشهد إلى شهبا وقنوات وقرى الجبل، حيث تلتقي الآثار القديمة بالحياة المعاصرة. ولذلك فإن حضارة السويداء ليست ذاكرة محفوظة خلف الزجاج وحده، بل علاقة مستمرة بين الإنسان والمكان.
هذا العمق يمنح الخوف الراهن بعداً إضافياً. فالناس يخشون على حياتهم، وعلى قدرة أبنائهم على البقاء في بيئة تحمل أسماء أسرهم وذاكرة أجدادهم وعاداتهم وفنونهم.
مجتمع تتداخل فيه العائلة والجوار
في الحياة الاجتماعية للسويداء، تتقاطع روابط الأسرة مع الجوار والعمل والمدرسة والمضافة. وتمنح المناسبات المشتركة والزيارات والعلاقات الممتدة بين المدينة والقرى مساحة واسعة للتعارف والتكافل.
وتساعد هذه الروابط على تفسير كيفية انتقال الألم من الأسرة إلى المجتمع. فالمعلم الذي يُقتل يعرفه طلاب وأهالٍ، والطبيب تربطه بالناس سنوات من العلاج، والشاب الذي يغيب يترك فراغاً في البيت والجامعة ومجموعة الأصدقاء.
لا تبقى الخسارة محصورة في منزل واحد. تنتقل الأسماء والقصص بين البيوت، ويصبح الحداد تجربة مشتركة، خصوصاً عندما تُفقد أسر كاملة أو يتكرر خبر القتل في أماكن متقاربة.
وفي أوقات الشدة، تصبح الروابط الاجتماعية أيضاً وسيلة للاستمرار. فإيواء الأقارب، وتقاسم الموارد، ومساندة الأسر المنكوبة، تمنح المجتمع قدرة على تحمل ما تعجز الأسرة وحدها عن مواجهته.
لكن هذه القدرة لا تمحو الخسائر. إنها تساعد الناس على الوقوف، بينما يبقى السؤال الأصعب متعلقاً بمن يحميهم من تكرار المأساة.
التعليم والفنون.. مستقبل بُني على الموهبة
للتعليم مكانة راسخة في صورة السويداء عن نفسها، ولأبنائها حضور بارز في الحياة الثقافية والفنية السورية، من الموسيقى والمسرح إلى الفنون التشكيلية والكتابة.
ويظهر الاهتمام بالتعلم الفني في مؤسسات محلية وتجارب امتدت خارج المدينة. ففي حديث منشور لمدير معهد فريد الأطرش للموسيقى، معين نفاع، ربط تأسيس المعهد بوجود كوادر موسيقية وإقبال على تعلم الموسيقى. وتجاوز عدد المتقدمين في سنته الأولى 300 طالب، بينما كانت القاعات المتاحة تستوعب 210 طلاب عبر سنوات المرحلة الأولى. وشمل التعليم الموسيقى الشرقية والغربية والغناء وآلات متنوعة.
وراء هذه الأرقام أسر اختارت أن تمنح أطفالها فرصة للعزف، ومعلمون سعوا إلى احتضان المواهب، وطلاب رأوا في الفن طريقاً للتعبير والعمل.
لهذا فإن اضطراب التعليم وتعذر الوصول إلى الجامعات والمعاهد يمسان أحد أهم مسارات المستقبل. فالخسارة لا تقتصر على فصل دراسي، بل قد تمتد إلى فرصة مهنية وموهبة تحتاج إلى تدريب متواصل وعلاقات وخبرة.
تموز الذي غيّر العلاقة مع الوطن
وثقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا انتهاكات واسعة خلال عنف تموز 2025 في السويداء، وقدرت عدد القتلى بأكثر من 1700 شخص، غالبيتهم من المجتمع الدرزي، مع سقوط ضحايا من البدو والقوات الحكومية أيضاً.
وفي الموجة الأولى، وثقت اللجنة جرائم ارتكبتها قوات حكومية ومقاتلون مرافقون لها ضد الدروز، شملت القتل والتعذيب والنهب والاعتقال والخطف والعنف الجنسي، بما فيه الاغتصاب. كما وثقت انتهاكا، وموجة لاحقة من القتل والنهب والإحراق نفذها مقاتلون عشائريون.
وأعلنت منظمة العفو الدولية أنها وثقت إعدام العشرات من الدروز خارج نطاق القضاء يومي 15 و16 تموز، على يد قوات حكومية وقوات تابعة لها. ووقعت الجرائم التي تناولها تحقيقها في منازل ومدرسة ومستشفى وساحة عامة وقاعة احتفالات.
في هذه الأماكن يتضح عمق الانكسار. فالمنزل والمدرسة والمستشفى يفترض أن تكون مساحات أمان. وعندما يدخل إليها القتل، يتغير شعور الإنسان تجاه حياته اليومية، ويصبح الاحتماء بالمكان الذي يعرفه موضع شك.

شباب آل عرنوس.. أحلام انتهت عند الشرفة
من أكثر القصص إيلاماً جريمة قتل شباب من عائلة عرنوس، الذين أُجبروا على إلقاء أنفسهم من شرفة مرتفعة، وسط إطلاق النار عليهم.
وثقت منصة «تأكد» أن المقطع المتداول صُوّر في السويداء، وأفادت بأن الضحايا هم الشقيقان معاذ وبراء عرنوس وابن عمهما أسامة. كما نقلت عن شهود مقتل والد الشقيقين، بشار عرنوس، أمام منزله.
وتناولت منظمة هيومن رايتس ووتش الواقعة في تقريرها عن غياب المحاسبة على انتهاكات السويداء، مشيرة إلى قتل أربعة من أفراد العائلة في 16 تموز، وإلى مشاهد يأمر فيها مسلحون الرجال بالقفز من شرفة مبنى متعدد الطوابق، ثم يطلقون النار عليهم أثناء سقوطهم.
كان معاذ طالباً في طب الأسنان، وبراء طالباً في الهندسة، وأسامة طبيب أسنان، وفق المعلومات التي نقلها «مسبار» عن أحد أقاربهم. وراء الأسماء مسارات تعليمية وحياة كانت تتجه نحو العمل وبناء المستقبل.
وتحمل هذه الجريمة دلالة مؤلمة في مدينة تراهن على تعليم أبنائها. فالسنوات التي قضتها الأسرة في الرعاية والدراسة، والأحلام التي ارتبطت بالتخرج والعمل، انتهت في دقائق من العنف.
ولم تتوقف معاناة العائلة عند فقدان أبنائها. ففي يونيو 2026، نشر مركز السويداء للتوثيق والإعلام شهادة للعائلة تتهم فيها السلطات باشتراط تغيير أسباب الوفاة مقابل إصدار شهادات الوفاة. هكذا امتد النزاع، وفق روايتها، من حياة الضحايا إلى الطريقة التي تُسجل بها نهايتهم.

«إيش يعني سوري؟» هوية لم تحمِ صاحبها
في قصة منير الرجمة، حاول رجل أعزل الاحتماء بجواب «أنا سوري»، عندما سُئل عن انتمائه. لكن السؤال المقابل «إيش يعني سوري؟» أعاد الحديث إلى الطائفة، قبل مقتله، وفق التغطيات المنشورة للواقعة.
وفي تحقيق لاحق، قال مركز السويداء للتوثيق والإعلام إنه حدد هوية أحد عناصر وزارة الدفاع السورية المتورطين في الجريمة التي وقعت في قرية الثعلة.
بقيت العبارة في ذاكرة الناس لأنها كشفت انهيار معنى الحماية المشتركة. فالضحية قدم هوية يفترض أنها تجمعه بمن يسأله، لكنه واجه منطقاً يجعل الانتماء الديني معياراً للتعامل مع حياته.
ومن هذا المشهد يتولد سؤال أوسع عن المواطنة. ماذا يبقى منها حين لا تمنح صاحبها حماية، وحين تصبح الطائفة أهم من الإنسان وحقوقه؟

آل سرايا.. من بناء التعليم إلى الإعدام في ساحة المدينة
تختصر قصة آل سرايا جانباً من الجرح الذي أصاب السويداء. فقد ارتبط اسم العائلة بخدمة الناس والعمل والثقافة، وصولاً إلى مشروع تعليمي أسسه الشقيقان حسام وكريم، أراداه فرصة لأطفال السوريين داخل البلاد وخارجها.
درس حسام في الولايات المتحدة وحصل على الجنسية الأميركية، لكنه بقي مرتبطاً بمدينته وعاد إليها، وشارك شقيقه إدارة «مدرسة سرايا الذكية الافتراضية». وذكرت الكاتبة نجاة عبد الصمد في موقع «درج» أن المدرسة خصصت 350 مقعداً مجانياً، لتمنح أطفالاً فرصة للتعلم بعيداً عن عوائق الفقر والمسافة.
لكن المشروع الذي فتح أبواباً للمستقبل اصطدم بمجازر تموز 2025. ووفق شهادات ناجيات من الأسرة، اقتحم مسلحون منزل العائلة، واقتادوا رجالها بعد وعدهم بالأمان، وبعضهم بملابس النوم وحفاة. ثم أُعدم حسام وكريم ووالدهما غسان، مع أقارب لهما وجارهم، في ساحة خلدون زين الدين، المعروفة سابقاً بساحة تشرين.
لم تخسر السويداء أفراداً من عائلة واحدة فحسب. فقدت أباً وشقيقين كانا يعملان لتعليم أطفالها، وأشخاصاً تربطهم بالمدينة حياة من العلاقات والعمل والعطاء. وبقيت وراءهم أسر مفجوعة وطلاب ومدرسة تحمل اسميهما في ذاكرتها، وقصة تكشف كيف أصاب العنف الإنسان والمستقبل الذي كان يحاول بناءه.
أسر ومسنون وأطفال في الأخبار المحلية
تظهر التقارير المحلية أن الذاكرة لا تحمل قصة واحدة، بل وقائع تتوزع بين أسر فقدت أفرادها ومسنين قُتلوا وأطفال غابوا عن ذويهم.
نشر مركز السويداء للتوثيق والإعلام تحقيقاً عن المجزرة التي استهدفت عبد الله البعيني وزوجته المحامية منار أبو سعدة وولديهما في مدينة السويداء يوم 16 تموز 2025. كما نشر تحقيقاً آخر نسب فيه تورط أحد عناصر وزارة الدفاع إلى واقعة قتل الشيخ المسن حمزة أبو زيد في المدينة خلال هجوم تموز.
وفي واقعة أخرى، أفادت هيومن رايتس ووتش بأن مسلحين اقتحموا مضافة عائلة رضوان غرب مدينة السويداء في 15 تموز، وقتلوا 14 رجلاً على الأقل وجرحوا آخرين. أصاب الاعتداء مكاناً يرتبط بالاجتماع والضيافة والعلاقات الأهلية، فصار جزءاً من ذاكرة الفقد.
ولا تنتهي الأسئلة عند أسماء القتلى. فالأسر التي تبحث عن مفقوديها تعيش زمناً آخر، لا تستطيع فيه الحداد ولا الاطمئنان، وتبقى حياتها معلقة على اتصال أو خبر أو شهادة.
جمال.. «لقد تم طعننا»
يقول جمال، أحد الجرحى، في الشهادة المنقولة عنه، إن قوات وزارة الدفاع «قتلت وحرقت وسلبت ورمت الناس من طوابق عالية واغتصبت نساء».
تجمع عبارته صوراً من العنف الذي بقي حاضراً في ذاكرة الناجين، وتتقاطع اتهامات القتل والنهب والعنف الجنسي مع أنماط وثقتها التقارير الحقوقية.
ويتابع بغصة «من شبه المستحيل أن نعود لسوريا، لقد تم طعننا».
في كلامه، تبدو العودة مرتبطة باستعادة الثقة أكثر من ارتباطها بالمسافة. فالناجي يستطيع العودة إلى شارع أو منزل، لكن العودة إلى الشعور بالأمان تحتاج إلى ما هو أبعد من انتهاء الاشتباكات.
وحين يكون المتهم بالاعتداء منتسباً إلى مؤسسة يفترض أن تحمي المدنيين، يصبح الجرح مضاعفاً. إنه ألم الإصابة والفقد، وألم انهيار التوقع بأن الدولة ستكون جهة يلجأ إليها الإنسان وقت الخطر.
حين تحترق مكتبة
إلى جانب الخسائر البشرية، تظهر خسائر تمس الحياة الثقافية. فقد تناول مقال في «درج» قصة حرق مكتبة الروائي ممدوح عزام في السويداء، كما يرويها في كتابه «من الشمال إلى الجنوب»، مع الإشارة إلى أنه وزوجته كانا خارج البلاد وقت الهجوم
المكتبة حصيلة سنوات من القراءة والاختيار والعمل. وحرقها يمحو أشياء لا تستعاد بمجرد شراء كتب بديلة، من الملاحظات إلى ترتيب الذاكرة والعلاقة الشخصية بكل كتاب.
ومن هذه الخسارة يمكن فهم الخوف على الثقافة. فاستمرارها يحتاج إلى أشخاص وأماكن ووقت وأمان، وكلما تهدمت هذه الشروط ضاقت قدرة المجتمع على إنتاجها ونقلها إلى الجيل التالي.
الاستقلال بوصفه بحثاً عن ضمانة للبقاء
بعد المجازر، تقدمت مطالب الاستقلال والانفصال وتقرير المصير في النقاش العام داخل السويداء. وأصبح سؤال العلاقة مع دمشق مرتبطاً، لدى مؤيدي هذه المطالب، بإمكان تكرار الاعتداء وبالضمانات التي يمكن أن تمنعه.
وتخلص دراسة منشورة في «مجلة الدراسات الدرزية» إلى أن مجازر تموز 2025 حفزت تحولاً ساهم في ظهور وتبلور صيغة من تقرير المصير في السويداء، ضمن تغير العلاقة بين الهوية والأرض والدولة السورية
يبدأ هذا التحول من تجربة الناس. فمن فقد أسرته أو منزله أو شعر بأنه مستهدف بسبب انتمائه، ينظر إلى الترتيبات السياسية من زاوية الحماية التي توفرها.
وتختلف الصيغ المطروحة بين الاستقلال والإدارة الذاتية واللامركزية والحماية الدولية، لكن خلفها أزمة ثقة عميقة. وبالنسبة إلى قطاعات من السكان، لم تعد العودة إلى العلاقة السابقة ممكنة دون اعتراف بالجرائم ومحاسبة وضمانات فعلية لعدم تكرارها.
معركة لحماية الإنسان والثقافة
تشعر السويداء بأنها تواجه تهديداً يتجاوز حدود الأمن. فالخوف يطال قدرة الناس على البقاء في بيوتهم، وتعليم أطفالهم، وممارسة فنونهم، والحفاظ على علاقاتهم وذاكرتهم.
وفي مدينة ترتبط صورتها بالتعليم والحياة الثقافية، يصبح فقدان طالب أو طبيب أو كاتب خسارة تمس الأسرة والمجتمع معاً. وتصبح حماية المدرسة والمعهد والمكتبة جزءاً من حماية المستقبل.
لن تُستعاد الثقة بمطالبة الناجين بتجاوز ما حدث. تحتاج إلى حقيقة واضحة وعدالة ومحاسبة، وإلى حق الأسر في معرفة مصير أبنائها، وحق المهجرين في العودة الآمنة، وحق السكان في المشاركة في تحديد مستقبلهم.
بين «أنا سوري» التي لم تحمِ منير الرجمة، و«لقد تم طعننا» التي يقولها جمال، تظهر المسافة التي صنعتها المجازر. وفي هذه المسافة تحاول السويداء أن تجد طريقاً يحفظ حياة أهلها وثقافتهم وكرامتهم.









